الشيخ محمد رشيد رضا

471

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ورواه غيرهما عن غيره بمعناه ، قال بعض العلماء ان أولية خلق القلم نسبية والعرش خلق قبله وكذا الماء وقال بعضهم بل هو الأول وكذا اللوح الذي كتب فيه . ولم يرد في خلق اللوح المحفوظ حديث مرفوع صحيح بل ورد فيه آثار عن ابن عباس وغيره من علماء التفسير فلهذه الأحاديث والآثار اتفق علماء التفسير المأثور على تفسير الكتاب المبين والامام المبين وأم الكتاب والذكر في الآيات التي سردناها بذلك الكتاب المسمى باللوح المحفوظ ، ومن التكلف الظاهر أن يقال إن المراد بها العلم الإلهي كما قال الرازي هنا ، ومذهب السلف أن نؤمن بالقلم الإلهي واللوح المحفوظ وما كتب القلم في اللوح من مقادير الخلق واحصائه جميع ما كان ويكون في هذا العالم من بدء تكوينه إلى يوم القيامة من غير أن نحكم آراءنا وأقيستنا في صفة شيء من ذلك ولا فقبل قول أحد غير المعصوم فيما يزعمه من وصف اللوح أو القلم أو تلك الكتابة . ومن الجهل الفاضح أن نشبه ذلك بما نعهده من كتابتنا ونحن نرى البشر قد اخترعوا لتدوين الكلام طرقا يتلقاها بعضهم عن بعض على مسافة ألوف من الأميال والفراسخ في البر والبحر بواسطة الكهرباء التي تسخر لذلك بأسلاك وبغير أسلاك فيكتب أحدهم في لوح الجو ما شاء أن يكتب فيتكيف به الهواء في هذا الجو الواسع كله ويتلقاها آخرون بآلات عندهم ترسم لهم ما رسم في الهواء فيقرؤنه ويدونونه لمن يريدون أن ينتفع به والذين يؤولون ما ورد في اللوح والقلم والعرش ليسوا أبعد عن مذهب السلف ممن يشبهون هذه العوالم الغيبية بما يعهدون من صنع البشر في هذا العالم المتغير وهم يرون أن هذه المصنوعات تتغير وتترقى كلما ترقى الناس في الصناعات ، حتى أن الشيخ الشعراني صور الميزان الإلهي الذي يزن به تعالى أعمال العباد المعنوية كلها في وقت واحد قصير - وهو أسرع الحاسبين - بصورة أحقر الموازين البشرية التي اخترعوها في طور البداوة والجهل بفنون الصناعة ونحن نرى البشر قد اخترعوا في هذا العصر أنواعا من الموازين الدقيقة للأثقال المادية وللأمور المعنوية كالرطوبة والحرارة والبرودة والسرعة حتى أنهم ليعرفون أثقال الكواكب ، وان ركاب السفينة الغواصة ليعلمون